أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

51

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ويجوز أن يراد العموم وغلب العاقل على غيره . وقوله : « وَما يَتَّبِعُ » يجوز في « ما » هذه أن تكون نافية وهو الظاهر و « شُرَكاءَ » مفعول يتبع ومفعول « يَدْعُونَ » محذوف لفهم المعنى ، والتقدير : وما يتبع الذين يدعون من دون اللّه آلهة شركاء ، فآلهة مفعول « يَدْعُونَ » و « شُرَكاءَ » مفعول « يَتَّبِعُ » ، وهو قول الزمخشري ، قال : ومعنى : ما يتبعون شركاء ، أي : وما يتبعون ( حقيقة الشركاء وإن كانوا يسمونها شركاء ، لأن شركة اللّه في الربوبية محال ) إن يتبعون إلا ظنهم أنها شركاء . ثم قال : ويجوز أن تكون « ما » استفهاما ، يعني : وأي شيء يتبعون ، و « شُرَكاءَ » على هذا نصب ب « يَدْعُونَ » وعلى الأول ب « يَتَّبِعُ » ، وكان حقه وما يتبع الذين يدعون من دون اللّه شركاء شركاء ، فاقتصر على أحدهما للدلالة . وهذا الذي ذكره الزمخشري قد ردّه مكي بن أبي طالب وأبو البقاء ، أما مكي فقال : انتصب « شركاء » ب « يَدْعُونَ » ومفعول « يَتَّبِعُ » قام مقامه « إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ » لأنه هو ، ولا ينتصب الشركاء ب « يَتَّبِعُ » ، لأنك تنفي عنهم ذلك واللّه قد أخبر به عنهم . وقال أبو البقاء : و « شُرَكاءَ » مفعول « يَدْعُونَ » ، ولا يجوز أن يكون مفعول « يَتَّبِعُونَ » ، لأن المعنى يصير أنهم لم يتبعوا شركاء ، وليس كذلك . قلت : معنى كلامهم أنه يؤول المعنى إلى نفي أتباعهم الشركاء والواقع أنهم قد اتبعوا الشركاء ، وجوابه ما تقدم من أن المعنى أنهم وإن اتبعوا شركاء فليسوا بشركاء في الحقيقة ، بل في تسميتهم هم لهم بذلك فكأنهم لم يتخذوا شركاء ولا اتبعوهم لسلب الصفة الحقيقة عنهم ومثله : « ما رأيت رجلا » أي : من يستحق أن يسمى رجلا ، وإن كنت قد رأيت الذكر من بني آدم ، ويجوز أن تكون « ما » استفهامية وتكون حينئذ منصوبة بما بعدها . وقد تقدم قول الزمخشري في ذلك . وقال مكي : ولو جعلت « ما » استفهاما بمعنى الإنكار والتوبيخ كانت اسما في موضع نصب ب « يَتَّبِعُ » . وقال أبو البقاء نحوه ، ويجوز أن تكون « ما » موصولة بمعنى الذي نسقا على « مَنْ » في قوله : « أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ » قال الزمخشري : ويجوز أن تكون « ما » موصولة معطوفة على « مَنْ » كأنه قيل : وللّه ما يتبعه الذين يدعون من دون اللّه شركاء ، أي : وله شركاؤهم . ويجوز أن تكون « ما » هذه الموصولة في محل رفع بالابتداء ، والخبر محذوف تقديره : والذي يتبعه المشركون باطل ، فهذه أربعة أوجه ، وقرأ السلمي « تدعون » بالخطاب ، وعزاها الزمخشري لعلي بن أبي طالب ، قال ابن عطية : « وهي قراءة غير متجهة » . قلت : قد ذكر توجيهها أبو القاسم فقال : ووجهه أن يحمل « وَما يَتَّبِعُ » على الاستفهام ، أي : وأي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين ، يعني : أنهم يتبعون اللّه تعالى ويطيعونه ، فماللكم لا تفعلون مثل فعلهم ؟ كقوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ . « 1 » قوله : إِنْ يَتَّبِعُونَ إن : نافية ، و « الظَّنَّ » مفعول به ، فهو استثناء مفرغ ، ومفعول « الظَّنَّ » محذوف تقديره : إن يتبعون إلّا الظن أنهم شركاء . وعند الكوفيين تكون « أل » عوضا من الضمير تقديره : إن يتبعون إلا ظنهم أنهم شركاء ، والأحسن أن لا يقدر للظن معمول ، إذ المعنى : إن يتبعون إلّا الظن لا اليقين . وقوله : « إِنَّ » من قرأ « يَدْعُونَ » بياء الغيبة فقد جاء يتبعون مطابقا له ، ومن قرأ « تدعون » بالخطاب فيكون « يَتَّبِعُونَ » التفاتا ، إذ هو خروج من خطاب إلى غيبة . قوله : جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ . انظر إلى فصاحة هذه الآية حيث حذف من كل جملة ما ثبت في الأخرى ، وذلك أنه ذكر علة جعل الليل لباسا هي قوله : « لِتَسْكُنُوا » وحذفها من جعل النهار ، وذكر صفة النهار وهي قوله : « مُبْصِراً » وحذفها من « اللَّيْلَ » لدلالة

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، آية : ( 57 ) .